صديق الحسيني القنوجي البخاري
484
فتح البيان في مقاصد القرآن
وكذلك تكرير الهمزة في قوله أئنا ، والمعنى أي نعاد خلقا جديدا بعد الموت كما كنا قبله ؛ ولم يعلموا أن القادر على إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم . ثم لما حكى اللّه سبحانه ذلك عنهم حكم عليهم بأمور ثلاثة : الأول : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أي أولئك المنكرون لقدرته سبحانه على البعث هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه ، وفيه دليل على كفر منكري البعث . وَ الثاني : أُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ الأغلال جمع غل بالضم وهو طوق من حديد يجعل في العنق أو تشد به اليد إلى العنق ، أي يغلون بها يوم القيامة كما يقاد الأسير ذليلا بالغل ، وقيل الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق وَ الثالث : أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لا ينفكون عنها بحال من الأحوال ، وفي توسيط ضمير الفصل دلالة على تخصيص الخلود بمنكري البعث . وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ نزل في استعجالهم العذاب استهزاء والسيئة العقوبة المهلكة ، والحسنة العافية والسلامة ، قالوا هذه المقالة لفرط إنكارهم وشدة تصميمهم . وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ جمع مثلة كسمرة وهي العقوبة الفاضحة ، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه وهو الذنب من المماثلة في أن كلّا منهما مذموم . قال ابن الأنباري : المثلة العقوبة التي تبقى في المعاقب شيئا بتغيير بعض خلقه من قولهم مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه وسمل عينيه وبقر بطنه ، وقرىء بفتح الميم وإسكان الثاء تخفيفا لثقل الضمة ، قيل وهي لغة الحجاز ، وفي لغة تميم بضم الميم والثاء جميعا ، واحدتها على لغتهم مثلة ، مثل غرفة وغرفات ، وقرىء بفتحهما . وقيل المثلة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع غيره به ، قال قتادة : المثلاث العقوبات ، يعني وقائع اللّه في الأمم فيمن خلا قبلكم . وقال ابن عباس : المثلاث ما أصاب القرون الماضية من العذاب ، والمعنى أن هؤلاء يستعجلونك بإنزال العقوبة بهم وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بهم ويحذرون من حلول ما حل بهم . وهذا الاستعجال من هؤلاء هو على طريقة الاستهزاء كقولهم اللهم أن كان هذا هو الحق من عندك الآية وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ أي لذو تجاوز عظيم ، والمراد بها الإمهال وتأخير العذاب لِلنَّاسِ عَلى أي مع ظُلْمِهِمْ باقترافهم الذنوب ووقوعهم في المعاصي إن تابوا عن ذلك ورجعوا إلى اللّه سبحانه ، والجار والمجرور في محل نصب على الحال أي حال كونهم ظالمين .